❗خاص sadawilaya❗
كتب: حسن علي طه
كثيرة هي نعم الله التي تحيط بنا، وبعضها من شدة اعتيادنا عليه يصبح جزءًا من تفاصيل حياتنا، فلا نعود نشعر بقيمته إلا حين نتخيّل فقدانه.
يكفي أن ترى لتعرف نعمة البصر، وربما لا تدرك عظيم هذه النعمة إلا إذا أغمضت عينيك للحظات وتخيّلت حياتك بلا نظر.
من هنا جاءت المقولة: «إذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك، فأغمض عينيك».
واليوم، لا أعرف لماذا قادتني هذه الفكرة إلى مستشفى الرسول الأعظم (ص)، ذلك الصرح الذي رافق مشوار حياتنا منذ أيام كان فيها الفقر أكبر، والإمكانات أصغر، وكان هو أقرب إلى مستوصف منه إلى المستشفى الكبير الذي نعرفه اليوم.
كبرنا... وكبر الفقراء معنا، وكبرت حاجاتهم، وكبر المستشفى أيضًا.
عامًا بعد عام، اتسع هذا الصرح وتطورت أقسامه، حتى بات من الصعب أن يمر عام من دون أن ترى فيه جديدًا؛ مبنى، قسمًا، جهازًا، تقنية أو اختصاصًا. جديد تراه العين، وتشعر به الصحة، ويمنح الناس شيئًا إضافيًا من الاطمئنان والأمان.
ومن يدخل مستشفى الرسول اليوم يرى حجم الحركة في أقسامه المختلفة؛ من مبنى العيادات إلى مبنى القلب التخصصي، ومن الطوارئ إلى المبنى الأول المعروف بالقديم، مرورًا بالمختبر والأشعة وسائر الأقسام.
لكن الأهم من المباني والتجهيزات أن من يجلس قليلًا ويراقب وجوه الداخلين والخارجين يكتشف أمامه صورة مصغّرة عن لبنان.
مرضى يأتون من مختلف المناطق، ومن شتى الملل والطوائف والانتماءات، حتى تكاد ردهاته ترسم فسيفساء هذا الوطن بكل تنوعه. وإلى جانب اللبنانيين، ثمة وافدون من الخارج يقصدون لبنان للعلاج ويجدون في المستشفى موضع ثقة، لما يضمه من طواقم طبية في اختصاصات مختلفة، وما أدخله من تقنيات وتجهيزات حديثة في عالم الطب، وليس استخدام التكنولوجيا الروبوتية آخرها.
استطاع مستشفى الرسول أن يفرض حضوره في القطاع الاستشفائي، وتشهد على ذلك كثافة المرضى والمراجعين في أقسامه، من الطوارئ إلى المختبر والأشعة والعيادات وغيرها.
وربما كان البعد الإنساني أحد أسباب هذا الإقبال.
ففي بلد أصبحت فيه فاتورة الاستشفاء مصدر خوف يضاف أحيانًا إلى خوف المرض نفسه، بقيت كلفة الطبابة والاستشفاء في مستشفى الرسول، في نظر شريحة واسعة من الناس، أكثر قدرة على مراعاة ظروفهم من كثير من المؤسسات الاستشفائية الأخرى.
قد يناقش البعض هذا الانطباع، لكن كثافة المرضى والمراجعين تبقى مؤشرًا يصعب تجاهله.
وللمستشفى حكاية أخرى مع بيئته وأهلها.
فهو لم يكن يومًا مجرد غرف وأسرّة وأجهزة. حمل خلال سنوات طويلة رسالة احتضان الجرحى، واستقبل من حملوا جراحهم إليه قبل أن يرحل بعضهم شهداء، ثم بقي إلى جانب عائلاتهم بعدما أصبح أحباؤهم أحياءً عند ربهم.
وبشكل أو بآخر، شكّل هذا الصرح عنصر اطمئنان لكثيرين؛ أن هناك مكانًا سيبقى حاضرًا عند الإصابة والمرض والحاجة، وأن العائلة لن تكون وحدها عندما تطرق المحنة بابها.
وأذكر هنا حادثة بقيت عالقة في ذهني.
في إحدى ضواحي بيروت، أصيب مواطن سوداني بحروق خطيرة. حضر فريق الإسعاف، ووُضع الرجل في سيارة الإسعاف، فسأل السائق قائد الفريق:
إلى أين نتجه؟
فجاءه الجواب سريعًا وعفويًا:
«وهل هناك غير مستشفى الرسول ستستقبله؟»
قالها رغم وجود أكثر من مستشفى على الطريق.
ربما تختصر هذه العبارة البسيطة أشياء كثيرة لا تستطيع صفحات من الكلام أن تختصرها.
أن تعرف، وأنت في لحظة ضعف، أن هناك بابًا سيفتح لك، بصرف النظر عن اسمك وجنسيتك وطائفتك وما في جيبك، فذلك ليس مجرد خدمة طبية.
إنه أمان.
واليوم، جال في خاطري سؤال كان هو الدافع الحقيقي وراء كتابة هذه الكلمات:
ماذا لو أتى يومٌ لا يوجد فيه مستشفى الرسول الأعظم؟
ماذا لو استيقظنا يومًا ولم يعد ذلك الباب موجودًا؟
لا أملك جوابًا واضحًا.
وربما لا أريد أن أبحث عن جواب.
لأن بعض النعم لا تحتاج إلى أن نفقدها حتى نعرف قيمتها، وبعض الصروح لا ندرك مقدار حضورها في حياتنا إلا عندما نجرؤ للحظة على تخيّل غيابها.
لذلك، لمستشفى الرسول الأعظم (ص)، بإدارته وأطبائه وممرضيه وموظفيه وعامليه، ولكل يد تعمل بصمت في أروقته، منا كل التقدير والاحترام، وكل الحب والامتنان.
ولكم الدعاء بأن يبقى هذا الصرح حاضرًا، وأن يستمر في التقدم والازدهار وخدمة الناس.
فبعض الأماكن نعمة... ومستشفى الرسول واحد منها.
والسلام.